جلال الدين السيوطي

449

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

شيء انظر فيه ، فإن كان له علاقة بالمعنى وصحّ لفظه على العادة الجارية ، أجبت ، ثم لا أبالي أن يكون موافقا لي أو مخالفا ، وإن كان غير متعلّق بالمعنى رددته عليك ، وإن كان متصلا باللفظ ولكن على موضوع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم ، رددته أيضا ، لأنّه لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها . ما وجدنا لكم إلا ما استعرتم من لغة العرب كالسلب والإيجاب ، والموضوع والمحمول ، والكون والفساد ، والمهمل والمحصور ، وأمثلة لا تنفع ولا تجدي ، وهي إلى العيّ أقرب ، وفي الفهامة أذهب ، ثم أنتم هؤلاء في منطقكم على نقض ظاهر لأنّكم تفون بالكتب ، ولا هي مشروحة ، فتدعون الشعر ولا تذكرونه ، وتذكرون الخطابة وأنتم عنها في منقطع التراب ، وقد سمعت قائلكم يقول : الحاجة ماسّة إلى كتاب البرهان ، فإن كان كما قال ، فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب ؟ وإن كانت الحاجة مسّت إلى ما قبل البرهان فهي أيضا ماسّة إلى ما بعد البرهان ، وإلا فلم صنّف ما لا يحتاج إليه ويستغني عنه ؟ هذا كلّه تخليط وزرق وتهويل ورعد وبرق . وأما قولكم : أن تشغلوا جاهلا ، وتستذلّوا عزيزا ، وغايتكم أن تهوّلوا بالجنس والنوع والخاصّة والفصل والعرض والشخص وتقولوا : الهلّيّة ، والأينيّة والماهيّة والكيفيّة والكميّة والذاتيّة والعرضيّة والجوهريّة والهيولانيّة والصوريّة والأيسيّة والليسيّة والنفسيّة ، ثم تتمثلون فتقولون : جئنا بالسحر في قولنا : ( أ ) لا في شيء من ( ب ) و ( ج ) في بعض ( ب ) فإنّ ( أ ) في بعض ( ج ) و ( أ ) لا في كلّ ( ب ) و ( ج ) في كلّ ( ب ) ف ( أ ) إذن لا في كلّ ( ج ) . وهذا بطريق الخلف ، وهذا بطريق الاختصاص ، وهذه كلّها خرافات وترّهات ومغالق وشبكات ، ومن جاد عقله وحسن تمييزه ولطف نظره وثقب رأيه وأنارت نفسه ؛ استغنى عن هذا كلّه بعون الله وفضله . وجوده العقل وحسن التمييز ولطف النظر وثقوب الرأي وإنارة النفس من منائح الله الهنيّة ، ومواهبه السّنيّة ، يختصّ بها من يشاء من عباده ، وما أعرف لاستطالتكم بالمنطق وجها .